محمد بن جرير الطبري
10
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وإذ لم يبصروا بمحمد وبما جاء به من عند الله من الهدي ، فيرشدوا به الطريق المستقيم . فَسَيَقُولُونَ هذا القرآن إِفْكٌ قَدِيمٌ يقول : فسيقولون هذا القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم أكاذيب من أخبار الأولين قديمة ، كما قال جل ثناؤه مخبرا عنهم ، وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا القول في تأويل قوله تعالى : وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا . . . لِلْمُحْسِنِينَ يقول تعالى ذكره : ومن قبل هذا الكتاب ، كتاب موسى ، وهو التوراة ، إماما لبني إسرائيل يأتمون به ، ورحمة لهم أنزلناه عليهم . وخرج الكلام مخرج الخبر عن الكتاب بغير ذكر تمام الخبر اكتفاء بدلالة الكلام على تمامه ؛ وتمامه : ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة أنزلناه عليه ، وهذا كتاب أنزلناه لسانا عربيا . اختلف في تأويل ذلك ، وفي المعنى الناصب لِساناً عَرَبِيًّا أهل العربية ، فقال بعض نحويي البصرة : نصب اللسان والعربي ، لأنه من صفة الكتاب ، فانتصب على الحال ، أو على فعل مضمر ، كأنه قال : أعني لسانا عربيا . قال : وقال بعضهم على مصدق جعل الكتاب مصدق اللسان ، فعلى قول من جعل اللسان نصبا على الحال ، وجعله من صفة الكتاب ، ينبغي أن يكون تأويل الكلام ، وهذا كتاب بلسان عربي مصدق التوراة كتاب موسى ، بأن محمدا لله رسول ، وأن ما جاء به من عند الله حق . وأما القول الثاني الذي حكيناه عن بعضهم ، أنه جعل الناصب للسان مصدق ، فقول لا معنى له ، لأن ذلك يصير إذا يؤول كذلك إلى أن الذي يصدق القرآن نفسه ، ولا معنى لأن يقال : وهذا كتاب يصدق نفسه ، لأن اللسان العربي هو هذا الكتاب ، إلا أن يجعل اللسان العربي محمدا عليه الصلاة والسلام ، ويوجه تأويله إلى : وهذا كتاب وهو القرآن يصدق محمدا ، وهو اللسان العربي ، فيكون ذلك وجها من التأويل . وقال بعض نحويي الكوفة : قوله : لِساناً عَرَبِيًّا من نعت الكتاب ، وإنما نصب لأنه أريد به : وهذا كتاب يصدق التوراة والإنجيل لسانا عربيا ، فخرج لسانا عربيا من يصدق ، لأنه فعل ، كما تقول : مررت برجل يقوم محسنا ، ومررت برجل قائم محسنا ، قال : ولو رفع لسان عربي جاز على النعت للكتاب . وقد ذكر أن ذلك في قراءة ابن مسعود " وهذا كتاب مصدق لما بين يديه لسانا عربيا " فعلى هذه القراءة يتوجه النصب في قوله : لِساناً عَرَبِيًّا من وجهين : أحدهما على ما بينت من أن يكون اللسان خارجا من قوله مُصَدِّقٌ والآخر : أن يكون قطعا من الهاء التي في بين يديه . والصواب من القول في ذلك عندي أن يكون منصوبا على أنه حال مما في مصدق من ذكر الكتاب ، لأن قوله : مُصَدِّقٌ فعل ، فتأويل الكلام إذ كان ذلك كذلك : وهذا القرآن يصدق كتاب موسى بأن محمدا نبي مرسل لسانا عربيا . وقوله : لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا يقول : لينذر هذا الكتاب الذي أنزلناه إلى محمد عليه الصلاة والسلام الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بالله بعبادتهم غيره . وقوله : وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ يقول : وهو بشرى للذين أطاعوا الله فأحسنوا في إيمانهم وطاعتهم إياه في الدنيا ، فحسن الجزاء من الله لهم في الآخرة على طاعتهم إياه . وفي قوله : وَبُشْرى وجهان من الإعراب : الرفع على العطف على الكتاب بمعنى : وهذا كتاب مصدق وبشرى للمحسنين . والنصب على معنى : لينذر الذين ظلموا ويبشر ، فإذا جعل مكان يبشر وبشرى أو وبشارة ، نصبت كما تقول أتيتك لأزورك وكرامة لك ، وقضاء لحقك ، بمعنى لأزورك وأكرمك ، وأقضي حقك ، فتنصب الكرامة والقضاء بمعنى مضمر . واختلفت القراء في قراءة لِيُنْذِرَ فقرأ ذلك عامة قراء الحجاز " لتنذر " بالتاء بمعنى : لتنذر أنت يا محمد ، وقرأته عامة قراء العراق بالياء بمعنى : لينذر الكتاب ، وبأي القراءتين قرأ ذلك القارئ فمصيب . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . . . يَعْمَلُونَ